المقريزي
204
إمتاع الأسماع
المقدس ، والمعراج كان في ليلة واحدة من غير نوم ، ويؤيد ذلك : أنه صلى الله عليه وسلم لما أخبر به ، كذبه المشركون ، وارتد جماعة ممن أسلم ! ولو كان مناما لم يستنكر لمن هو بمكة ، أن يرى نفسه بيت المقدس ، وقد يرى الإنسان أعظم من ذلك ، فيحدث به ، فلا ينكر عليه . وقد اختلف الصحابة [ رضي الله عنهم ] في رؤيته عليه الصلاة والسلام ربه ( 1 ) ، [ سبحانه و ] تعالى ، في ليلة الإسراء ، حتى قالت عائشة رضي الله
--> ( 1 ) قال القاضي عياض : وأما رؤيته صلى الله عليه وسلم لربه جل وعز ، فاختلف السلف فيها ، فأنكرته عائشة رضي الله عنها : حدثنا أبو الحسين سراج بن عبد الملك الحافظ بقراءتي عليه ، قال : حدثني أبي وأبو عبد الله ابن عتاب الفقيه ، قالا : حدثنا القاضي يونس بن مغيث ، حدثنا أبو الفضل الصقلي ، حدثنا ثابت ابن قاسم ، عن أبيه وجده ، قالا : حدثنا عبد الله بن علي ، حدثنا محمود بن أدم ، حدثنا وكيع ، عن ابن أبي خالد ، عن عامر ، عن مسروق ، أنه قال لعائشة رضي الله عنها : يا أم المؤمنين ، هل رأى محمد ربه ؟ فقالت : لقد قف شعري مما قلت - ثلاث من حدثك بهن فقد كذب : من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب ، ثم قرأت : ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ) وذكر الحديث . وقال جماعة بقول عائشة رضي الله عنها ، وهو المشهور عن ابن مسعود ، ومثله عن أبي هريرة أنه قال : إنما رأى جبريل ، واختلف عنه ، وقال بإنكار هذا وامتناع رؤيته في الدنيا جماعة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أنه رآه بعينه ، وروى عطاء عنه أنه رآه بقلبه ، وعن أبي العالية عنه : رآه بفؤاده مرتين ، وذكر ابن إسحاق أن ابن عمر أرسل إلى ابن عباس رضي الله عنهما يسأله : هل رأى محمد ربه ؟ فقال : نعم ، والأشهر عنه أنه رأى ربه بعينه ، روى ذلك عنه من طرق وقال : إن الله تعالى أختص موسى بالكلام ، وإبراهيم بالخلة ، ومحمدا صلى الله عليه وسلم بالرؤية ، وحجته قوله تعالى : ( ما كذب الفؤاد ما رأى * أفتمارونه على ما يرى * ولقد رآه نزلة أخرى ) [ النجم : 11 - 31 ] . قال الماوردي : قيل : إن الله تعالى قسم كلامه ورؤيته بين موسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم ، فرآه محمد مرتين ، وكلمه موسى مرتين . وحكى أبو الفتح الرازي ، وأبو الليث السمرقندي الحكاية عن كعب ، وروى عبد الله بن الحارث قال : اجتمع ابن عباس وكعب ، فقال ابن عباس ، أما نحن بنو هاشم فنقول : إن محمدا قد رأى ربه مرتين ، فكبر كعب حتى جاوبته الجبال ، وقال : إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى ، فكلمه موسى ، ورآه محمد بقلبه . وروى شريك عن أبي ذر رضي الله عنه في تفسير الآية ، قال : رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه . وحكى السمرقندي عن محمد بن كعب القرظي ، وربيع بن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل : هل رأيت ربك ؟ قال : رأيته بفؤادي ولم أره بعيني . وروى مالك بن يخامر ، عن معاذ ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : رأيت ربي ، وذكر كلمة ، فقال : يا محمد ، فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ . . . الحديث . وحكى عبد الرزاق أن الحسن كان يحلف بالله لقد رأى محمد ربه ، وحكاه أبو عمر الطلمنكي عن عكرمة . وحكى بعض المتكلمين هذا المذهب عن ابن مسعود . وحكى ابن إسحاق أن مروان سأل أبا هريرة : هل رأى محمد ربه ؟ فقال نعم . وحكى النقاش عن أحمد بن حنبل أنه قال : أنا أقول بحديث ابن عباس : بعينه رآه رآه ، حتى انقطع نفسه - يعني نفس أحمد . وقال أبو عمر : قال أحمد بن حنبل : رآه بقلبه وجبن عن القول برؤيته في الدنيا بالأبصار . وقال سعيد بن جبير : لا أقول رآه ، ولا لم يره ، وقد اختلف في تأويل الآية ، عن ابن عباس ، وعكرمة ، والحسن ، وابن مسعود ، فحكى عن ابن عباس وعكرمة : رآه بقلبه ، وعن الحسن وابن مسعود : رأى جبريل ، وحكى عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه : أنه قال : رآه . وعن ابن عطاء في قوله تعالى : ( ألم نشرح لك صدرك ) ، قال : شرح صدره للرؤية ، وشرح صدر موسى للكلام ، وقال أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري رضي الله عنه وجماعة من أصحابه ، أنه رأى الله تعالى ببصره وعيني رأسه ، وقال : كل آية أوتيها نبي من الأنبياء عليهم السلام ، فقد أوتي مثلها نبينا صلى الله عليه وسلم ، وخص من بينهم بتفضيل الرؤية ، ووقف بعض مشايخنا في هذا وقال : ليس عليه دليل واضح ، ولكنه جائز أن يكون . قال القاضي أبو الفضل - وفقه الله - والحق الذي لا امتراء فيه ، أن رؤيته تعالى في الدنيا جائزة عقلا ، وليس في العقل ما يحيلها ، والدليل على جوازه في الدنيا سؤال موسى عليه السلام لها ، ومحال أن يجهل نبي ما يجوز على الله وما لا يجوز عليه ، بل لم يسأل إلا جائزا غير مستحيل ، ولكن وقوعه ومشاهدته من الغيب الذي لا يعلمه إلا من علمه ، فقال له الله تعالى : ( لن تراني ) أي لن تطيق ، ولا تحتمل رؤيتي ، ثم ضرب له مثلا مما هو أقوى من بنية موسى وأثبت ، وهو الجبل ، وكل هذا ليس فيه ما يحيل رؤيته في الدنيا ، بل فيه جوازها على الجملة ، وليس في الشرع دليل قاطع على استحالتها ، ولا امتناعها ، إذ كل موجود فرؤيته جائزة غير مستحيلة ، ولا حجة لمن استدل على منعها بقوله تعالى : ( لا تدركه الأبصار ) لاختلاف التأويلات في الآية . وليس يقتضي قول من قال : في الدنيا الاستحالة ، وقد استدل بعضهم بهذه الآية نفسها على جواز الرؤية وعدم استحالتها على الجملة . وقد قيل : لا تدركه أبصار الكفار ، وقيل : ( لا تدركه الأبصار ) ، لا تحيط به ، وهو قول ابن عباس ، وقد قيل : ( لا تدركه الأبصار ) وإنما يدركه المبصرون . وكل هذه التأويلات لا تقتضي منع الرؤية ولا استحالتها ، وكذلك لا حجة لهم بقوله تعالى : ( ولن تراني ) ، وقوله تعالى : ( تبت إليك ) لما قدمناه ، ولأنها ليست على العموم ، ولأن من قال : معناها لن تراني في الدنيا إنما هو تأويل . وأيضا فليس فيه نص الامتناع ، وإنما جاءت في حق موسى ، وحيث تتطرق التأويلات ، وتتسلط الاحتمالات ، فليس للقطع إليه سبيل . وقوله : ( تبت إليك ) أي من سؤالي ما لم تقدره لي ، وقد قال أبو بكر الهدلي في قوله : ( لن تراني ) أي ليس لبشر أن يطيق أن ينظر إلي في الدنيا ، وأنه من نظر إلي مات . . . وقد رأيت لبعض السلف والمتأخرين ما معناه أن رؤيته تعالى في الدنيا ممتنعة لضعف تركيب أهل الدنيا وقواهم ، وكونها متغيرة عرضا للآفات والفناء ، فلم تكن لهم قوة على الرؤية ، فإذا كان في الآخرة ، وركبوا تركيبا آخر ، ورزقوا قوى ثابتة باقية ، وأتم أنوار أبصارهم وقلوبهم ، قووا بها على الرؤية . وقد رأيت نحو هذا لملك بن أنس رحمه الله ، قال لم ير في الدنيا لأنه باق ، لا يرى الباقي بالفاني ، فإذا كان في الآخرة ، ورزقوا أبصارا باقيو رؤي الباقي بالباقي . وهذا كلام مليح ، وليس فيه دليل على الاستحالة ، إلا من حديث ضعف القدرة ، فإذا قوى الله تعالى من شاء من عباده ، وأقدره على حمل أعباء الرؤية ، لم تمتنع في حقه . وقد تقدم ما ذكر في قوة بصر موسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ، وتعوذ إدراكهما بقوة إلهية منحاها لإدراك ما أدركاه ، ورؤية ما رأياه ، والله تعالى أعلم . ( الشفا ) 1 / 121 - 123 مختصرا .